مسجد القبلتين.. هنا تغيّر اتجاه القبلة من المسجد الأقصى إلى الكعبة المشرفة! في المدينة المنورة، يقع مسجد القبلتين، أحد أشهر المساجد التاريخية التي ارتبطت بحدث عظيم في تاريخ الإسلام؛ ففي هذا المكان نزل الوحي على رسول الله ﷺ بتحويل قبلة المسلمين من المسجد الأقصى في القدس إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة. وتعود القصة إلى الأيام الأولى للهجرة النبوية، فقد كان المسلمون يصلّون في اتجاه بيت المقدس، وظل النبي ﷺ يصلي إليه نحو 16 أو 17 شهرًا بعد وصوله إلى المدينة، وكان يتمنى أن تكون الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين. وفي يوم من الأيام، كان رسول الله ﷺ يزور بني سَلِمة، فحان وقت صلاة الظهر، فتقدم وصلى بالصحابة في مسجدهم متجهًا نحو بيت المقدس. وبينما هو في الصلاة، نزل عليه الوحي بقول الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ \[البقرة: 144\]. فاستدار رسول الله ﷺ وهو في صلاته نحو الكعبة المشرفة، واستدار معه الصحابة، وأكملوا صلاتهم في الاتجاه الجديد. ومن هنا جاءت تسمية المسجد بـمسجد القبلتين؛ لأنه شهد الصلاة في اتجاهين مختلفين: اتجاه المسجد الأقصى، ثم اتجاه المسجد الحرام. أما سبب هذا التغيير، فهو امتثال أمر الله تعالى، وجعل الكعبة المشرفة قبلة للمسلمين في صلاتهم إلى يوم القيامة. ويقع المسجد في الجهة الغربية من المدينة المنورة، في منطقة بني سَلِمة، ولذلك كان يُعرف قديمًا باسم مسجد بني سَلِمة، وقد أقامه أهل المنطقة في عهد النبي ﷺ. ولم يكن المسجد مجرد مكان للصلاة، بل ظل شاهدًا على هذا الحدث العظيم، واهتم المسلمون بالمحافظة عليه وتجديد بنائه عبر القرون؛ فقد أعاد بناءه الخليفة عمر بن عبد العزيز عندما كان واليًا على المدينة، ثم شهد تجديدات أخرى في العصور الإسلامية، ومنها تجديده في عهد السلطان العثماني سليمان القانوني. أما بناؤه القديم، فكان بسيطًا، يعتمد على الطوب الطيني وجذوع النخيل وسعفه، ثم تعاقبت عليه أعمال الترميم والتوسعة، حتى أصبح من المعالم التاريخية البارزة في المدينة المنورة. وقد ذكر الدكتور عبد الرحمن الحجيلي، الباحث في تاريخ المدينة المنورة، أن مسجد القبلتين من أقدم مساجد المدينة، وأن أهميته ترجع إلى الحدث التاريخي الذي شهده، وهو تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام. وهكذا يحتفظ مسجد القبلتين بذكرى واحدة من أهم اللحظات في تاريخ الإسلام؛ ففيه ارتبط مكان صغير في المدينة المنورة بحدث غيّر اتجاه صلاة المسلمين في جميع أنحاء العالم.