التَّحَلُّلُ مِنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ إِنَّ أَعْظَمَ مَا يَشْقَى بِهِ الْمَرْءُ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا لِغَيْرِهِ، تَارِكًا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ مَظْلُومِيهِ يُعَانِي آلَامَ الْإِنْكِسَارِ وَالْقَهْرِ، وَيَتَجَرَّعُ الْحَسَرَاتِ لَا يَكَادُ يُسِيغُهَا، فَهَذَا تَنَالُهُ يَدُكَ، وَآخَرُ يَنَالُهُ لِسَانُكَ، وَقَدْ تَحْقِرُ هَذَا بِنَظْرَةٍ وَتُخَيِّبُ آخَرَ بِمَوْقِفٍ ... وَكُلٌّ يَتَأَذَّى بِحَسَبِ مَا وَجََّهْتَ لَهُ مِنَ الْأَذَى. وَلَعَلَّهُ يَقْذِفُكَ بِدَعَوَاتِهِ الَّتِي تَتَفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ ثُمَّ تَرْتَدُّ بُرُوقِهَا وَمَحَارِقُهَا لِتُصِيبَكَ؛ فَتَجِدُ الشُّؤْمَ وَالْخِذْلَانَ يُلَازِمَانِكَ، وَلَا تَخْرُجُ مِنْ وَرْطَةٍ حَتَّى تَقَعَ فِي أُخْرَى، فَتَخْسَرَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتَكَ وَتَكُونُ كَمَا وَصَفَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَأَلَ أَصْحَابَهُ: أَتَدْرُونَ مَن الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ 2581) فَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ الْمُسَارَعَةُ إِلَى التَّوْبَةِ وَالتَّحَلُّلِ مِنْ الْمَظْلُومِينَ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ إِلَيْهِمْ؛ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ حَسْرَةٌ وَلَا نَدَمٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَمَالِهِ فَلْيَسْتَحِلَّهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ حِينَ لَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَمَ فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَجُعِلَتْ عَلَيْهِ. (رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وأَحْمَدُ (9615) بِاخْتِلَافٍ يَسِيرٍ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (6534) بِلَفْظٍ مُقَارِبٍ).