نحوى الأفق

منشور من قناة

نحوى الأفق
أنور سعدان

أنور سعدان

18‏/10‏/2026، 12:36 م

يُعدّ تاريخ المغرب غنياً وعريقاً يمتد لآلاف السنين؛ فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية في موقع جبل إيغود وجود أقدم بقايا لإنسان عاقل في العالم يعود تاريخها لأكثر من ثلاث مئة ألف سنة، بينما استوطنت القبائل الأمازيغية المنطقة منذ القدم وعرفت تنظيمات وممالك عريقة كمملكة موريطانيا القيصرية ونوميديا، قبل تعاقب حضارات تجارية كالفينيقيين والقرطاجيين، ثم الخضوع لسيطرة الإمبراطورية الرومانية والوندال والبيزنطيين. ومع حلول القرن السابع الميلادي، بدأ الفتح الإسلامي بقيادة عقبة بن نافع وموسى بن نصير، ليدخل الأمازيغ والعرب في الإسلام ويبدأ اندماج حضاري عميق توج بتأسيس دولة الأدارسة سنة ثمان مئة وثمانية وثمانين للميلاد على يد مولاي إدريس بن عبد الله كأول دولة إسلامية مستقلة عاصمتها فاس. تلا ذلك عصر الإمبراطوريات الكبرى التي أضفت على المغرب أُبَّهة وامتداداً شمل شمال إفريقيا والأندلس، بدءاً بدولة المرابطين التي أسسها يوسف بن تاشفين بعد حركة إصلاحية صحراوية وعرفت معركة الزلاقة، مروراً بدولة الموحدين التي قادها ابن تومرت وعبد المؤمن بن علي وبلغت أقصى اتساع جغرافي ونهضة علمية وفلسفية، ثم دولة المرينيين التي اهتمت ببناء المدارس العتيقة واستقبلت مهاجري الأندلس، وصولاً إلى الوطاسيين الذين واجهوا أطماع إسبانيا والبرتغال في الثغور الساحلية. وفي العصر الحديث، ظهرت الدولة السعدية التي بلغت ذروتها في عهد أحمد المنصور الذهبي وحطمت أطماع البرتغال في معركة وادي المخازن أو معركة الملوك الثلاثة سنة ألف وخمس مئة وثمانية وسبعين، أعقبتها الدولة العلوية منذ عام ألف وست مئة وستين ومؤسسها مولاي رشيد، والتي شهدت عهوداً زاهرة كمولاي إسماعيل وباني الجيش القوي، فضلاً عن كون المغرب في عهد محمد بن عبد الله من أوائل الدول المعتترفة باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية سنة ألف وست مئة وسبعين. ومع مطلع القرن العشرين وتحديداً في فاتح إبريل عام ألف وتسع مئة واثني عشر، فُرِضت الحماية على المغرب ليُقسم بين فرنسا وإسبانيا مع نظام دولي لطنجة، فقاوم المغاربة بشراسة في معارك كالريف بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي والهري بقيادة موحا أوحمو الزياني، وتوجت الحركة الوطنية نضالها بتقديم وثيقة الاستقلال في الحادي عشر من يناير عام ألف وتسع مئة وארבעين، ليعود السلطان محمد بن يوسف من المنفى ويُعلن الاستقلال سنة خمس مئة وست وخمسين وخمس مئة وألف، وتبدأ مرحلة استرجاع الأجزاء المحتلة كطرفاية وسيدي إفني وصولاً إلى المسيرة الخضراء السلمية بقيادة الملك الحسن الثاني في السادس من نوفمبر عام ألف وتسع مئة وخمس وسبعين لاسترجاع الأقاليم الجنوبية، وينتقل المغرب بعدها إلى مرحلة التطور الديمقراطي والتنموي المعاصر تحت قيادة الملك محمد السادس عبر أورشاش كبرى وإصلاحات دستورية وسياسية. هكذا يظل تاريخ المغرب لوحة فسيفسائية فريدة، حُفرت تفاصيلها بصمود الأجداد وعبقرية الأماكن؛ فمن كهوف جبل إيغود الضاربة في عمق القدم، مروراً بمدارس الفكر والعمران، وصولاً إلى ملاحم الاستقلال والبناء المعاصر، يثبت المغرب دوماً أنه وطن ينهض من قلب التحديات ليصنع الأمجاد. إنه تاريخ يتنفس الأصالة ويعانق المستقبل، ليظل شعلة متوهجة في شمال إفريقيا والعالم.

وسائط منشور القناة 1
1019

تابع القناة داخل Dridoud

سجّل الدخول لمتابعة القناة والتفاعل مع منشوراتها.

فتح القناة في Dridoud
يُعدّ تاريخ المغرب غنياً وعريقاً يمتد لآلاف السنين؛ فقد أثبتت الاكتشافات الأثرية في موقع ج… | Dridoud